أبي حيان التوحيدي
129
المقابسات
تعجب الخلق من غرائب الأحاديث ، وعجائب الضروب ، وظرائف الأحوال ، عبثا وسفها ، وتوكلهم على اللّه لهوا ولعبا ثم قيل : وهذا يتضح بمثال ، وليكن ذلك المثال ملكا في زمانك وبلادك واسع الملك ، عظيم الشأن ، بعيد الصيت ، شائع الذكر ، معروفا بالحكمة ، مشهورا بالحزامة ، متصل اليقظة ، قد صح عنه أنه يضع الخير في موضعه ، ويوقع الشر في موقعه ، عنده جزاء كل سيئة ، وثواب كل حسنة ، قد رتب لبريده ، وأصلح الأولياء له ، وكذلك نصب لجباية أمواله أقوم الناس بها ، ويعاقب ويثيب ، ويفقر ويغنى ، ويحسن ويسيء وكذلك لعمارة الأرض أنهض الناس بها ، وأنصحهم فيها ! وشرف آخر بكتابته لحضرته ، وآخر بخلافته ووزارته ، في حضره وسفره . إذا نظرت إلى ملكه وجدته موزونا بسداد الرأي ، ومحمود التدبير وأولياؤه حواليه ، وحاشيته بين يديه ، وكل يخف إلى ما هو منوط به ، ويبذل وسعه دونه . والملك يأمر وينهى ، ويصدر ويورد ، ويحل ويعقد ، وينظم ويبدد ، ويعد ويوعد ، ويبرق ويرعد ، ويقدم ويؤخر ، ويخلع ويهب ، وقد علم صغير أوليائه وكبيرهم ، ووضيع رعاياه وشريفهم ، ونبيه الناس وخاملهم ، أن الرأي الذي يطلق بأمره كذا وكذا صدر من الملك إلى كاتبه ، لأنه من جنس المكاتبة وعلائقها ، وما يدخل في شرائطها ووثائقها . والرأي الآخر صدر إلى صاحب بريده ، لأنه من أحكام البريد وفنونه وما يجرى في كليته ، والامر الآخر ألقى إلى صاحب المعونة ، لأنه من جنس ما هو مرتب له ومنصوب من أجله ؛ والحديث الآخر صدر إلى القاضي ، لأنه من باب الدين والحكم والقضاء . في كل هذا مسلم اليه ومعصوم به ، لا يفتات عليه في شئ ، ولا يستبد بشيء دونه ، فالأحوال على هذا كلها